خريف ممتد للشحن البحري

خريف ممتد .. لماذا قد تشهد صناعة الشحن البحري سنوات من الفوضى؟

بعد ثلاثة أشهر من حادث جنوح السفينة البنمية “إيفرجيفن”، الذي عطل الملاحة طيلة ستة أيام في قناة السويس أواخر مارس الماضي، تمكنت الهيئة المشغلة لأحد أهم الممرات البحرية في العالم، أخيرًا، من التوصل إلى اتفاق مناسب لتعويض الجانب المصري.

ورغم أن ترتيبات هذا الاتفاق لم تتضح بعد، لكنها ستسمح بالتأكيد بإطلاق السفينة المحملة بمئات الملايين من الدولارات من السلع والبضائع العالقة بأمر من القضاء المصري، منذ الحادث ولحين تسوية قضية التعويضات المقامة ضد الشركة المالكة.

وبذلك، يسدل الستار أخيرًا على واحد من أعقد حوادث الملاحة البحرية على الإطلاق، والذي عطل تجارة بقيمة مليارات الدولارات، وأربك وصول إمدادات الطاقة إلى العديد من بلدان العالم، وأزعج القادة بسبب توقف الملاحة تمامًا في القناة.


وفي دلالة على قوة تأثير الحادث، استجابت أسعار الشحن البحري للحادث بالارتفاع على الفور، في ظل تكدس الناقلات شمال وجنوب القناة في أثناء الحادث الذي سلط الضوء على هشاشة ونقاط الضعف في صناعة الشحن البحري.


مع ذلك، ورغم مرور الأزمة وتلاشي آثارها تقريبًا، فإن حادث “إيفرجيفن” ومشكلة الموانئ المزدحمة بالبضائع وتأخر تفريغ السفن لا تزال مجرد مشاكل سطحية بين قائمة أمراض هذه الصناعة التي يمكنها أن تسوء بشكل خطير.


– على عكس كثير من الصناعات التي تعمل مكوناتها بشكل متناغم، يبدو أن سفن الشحن في العالم لا تعمل معًا. أولاً، كانت هناك قوائم انتظار في ميناء لوس أنجلوس وميناء لونج بيتش، والتي تركت ما يصل إلى 40 سفينة حاويات تنتظر الرسو في أوائل فبراير وسط تدفق حركة النقل.

– سجلت الأحجام المجمعة للحاويات في محطات الشحن رقمًا قياسيًا بلغ 1.9 مليون حاوية في مايو، أي ما يقرب من ضعفي أدنى مستوى خلال الجائحة، والمسجل في مارس عام 2020.

– ثم جاءت بعد ذلك حادثة “إيفرجيفن”، مما أدى إلى تأخير مئات السفن في طريقها بين آسيا وأوروبا. الآن، ينضم ميناء يانتيان في مدينة شنتشن الصينية إلى سلسلة الاضطرابات، وذلك بسبب فيروس كورونا الذي ألغى شهرًا كاملًا من الأعمال المجدولة.

– في الحقيقة، يزداد الازدحام في موانئ شحن الحاويات في جنوب الصين سوءًا مع تكثيف السلطات لإجراءات التطهير وسط تصاعد حالات الإصابة بفيروس كورونا مجددًا، مما تسبب في أكبر تراكم منذ عام 2019 على الأقل.

– حذرت كبرى شركات الشحن العملاء، في وقت سابق من هذا الشهر من تأخيرات في السفن، وتغييرات في جداول استقبال الموانئ، وإمكانية تجاوز بعض الموانئ تمامًا. بعض الموانئ في الصين علقت دخول السفن دون حجز مسبق.
غفوة أم غيبوبة؟

– قد يعتقد البعض أن هذا هو في الغالب قليل من الاضطراب المحلي الذي من شأنه تخفيف حدة الاضطرابات في الاقتصاد العالمي الآخذ في التعافي، لكن الحقيقة قد تكون صادمة لهؤلاء المتفائلين.


– في الواقع، العوامل التي دفعت تكلفة نقل الحاويات بين آسيا وأوروبا إلى مستويات قياسية تزيد على 11 ألف دولار لكل صندوق بحجم 40 قدمًا ليست مجرد مشكلة تنسيق مؤقتة، والحقيقة المُرة أن العالم قد يستغرق في طريق العودة إلى ما يشبه الحياة الطبيعية سنوات.


– تشير الزيادة في تكاليف الشحن إلى نقص في إمدادات أشباه الموصلات والخشب والدجاج والكلور وكل شيء تقريبًا، حيث حطم الوباء سلسلة التوريد العام الماضي، ولم تتعاف بعد شركات الشحن التي تنقل البضائع في جميع أنحاء العالم.


– يعتمد العالم على سلسلة إمداد معقدة، وهذا هو السبب في أنه يمكن للغرب مثلًا الحصول على أثاث رخيص للغاية صُنع في فيتنام خلال أيام معدودة، أو بسبب كون المأكولات البحرية التي يتم صيدها في الولايات المتحدة رخيصة جدًا رغم أنه تتم معالجة الكثير منها بالفعل في الصين قبل شحنها مرة أخرى.


– يعمل الشحن عبر المحيطات على تعزيز قدرة المستهلكين على شراء مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأشياء الرخيصة، ويحتاج هذا النظام إلى العديد من الأشياء ليعمل، مثل السفن الضخمة والحاويات وأماكن انتظار السفن والتفريغ؛ وكلها أعمال تحطمت تقريبًا في العام الماضي.


انفجار الطلب

– عادة ما تكون صناعة شحن الحاويات عبارة عن آلة عالية المرونة لدرجة أن البشر بالكاد يلتفتون إليها، حيث يمكن للسفن التي تحمل 10 آلاف حاوية أن تصل عند الفجر وتغادر بشحنة جديدة بحلول غروب الشمس.


– كذلك، كانت الأسعار في بعض الأحيان منخفضة للغاية لدرجة أنه في أوائل عام 2016 كان بالإمكان تحويل طن متري من البضائع من شنغهاي إلى روتردام مقابل 10 دولارات، وحتى ذلك الحين، كان أكبر خط شحن في العالم “إيه بي مولر ميرسك”، قادرًا على تحقيق ربح تشغيلي متواضع.

– من الناحية العالمية، شهدت التجارة جائحة قصيرة لكن حادة، وبحلول سبتمبر من العام الماضي، كانت الأحجام تتقدم بالفعل نحو مستوياتها لشهري يناير وفبراير، حيث ارتفع الطلب على المعدات الطبية والإنفاق على السلع المعمرة في البلدان الغنية.

– إن محاولة إجراء جميع عمليات التسليم هذه في الوقت المحدد تعني أن العديد من السفن بدأت في جعل رحلات العودة فارغة، مما يوفر بضع ساعات ثمينة عادة ما كانت تستخدم في نقل الصناديق الشاغرة إلى الصين.

– نتج عن ذلك وفرة في الحاويات في موانئ أوروبا وأمريكا الشمالية ونقص في آسيا، مما دفع أسعار الشحن إلى مستويات فلكية على طرق التصدير. تم شحن أكثر من 360 ألف حاوية فارغة من ميناء لوس أنجلوس الشهر الماضي، أي ضعف المعدلات الموسمية المعتادة تقريبًا.

– صحيح أن “كوفيد 19” وجه ضربة قاصمة لأحجام البضائع المنقولة عالميًا، لكن التباطؤ كان قائمًا قبله بسبب الحروب التجارية، ونتيجة لذلك، قلصت صناعة الشحن الاستثمارات، ومنذ مارس 2019، وصل الاستثمار الرأسمالي لشركة “ميرسك” إلى 2.9 مليار دولار فقط، وهو قريب مما استثمرته في ربع واحد خلال عام 2014.

– رغم ذلك، فإن الاقتصاد العالمي المنتعش حيث تزدهر التجارة سيعتمد على صناعة الشحن التي لم تتوقع مثل هذا الحظ أبدًا، وسوف تهدأ الفوضى في أعالي البحار في نهاية المطاف. ولكن، كما هو الحال مع أي سفينة كبيرة تبدأ رحلتها، سيستغرق الأمر بعض الوقت.

المصادر: أرقام- بلومبيرغ- بزنس إنسايدر- رويترز

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s